يوميّات مغترب


تجربتي الأولى بركوب الطائرة

نادى المذياع بعد طول انتظار، بالبدء بمغادرة الصالة.

فتراكضنا نحو الباب الرئيسي، وكلّ منّا يلملم حاله.

أطعنا الأوامر واتّجهنا صوب الطائرة، وعيون معظم المسافرين بالدموع غائرة.

ها هي الطائرة على أرض المطار رابضة، والأنفاس في الصدور قابضة.

الصعود إليها بواسطة درجين آليين، في مقدّمتها والمؤخّرة وهما متحرّكان.

اخترت الصعود إلى السلّم الأمامي، وهنا تفحّصت المضيفة بطاقتي وهندامي.

وأرجعتني إلى الوراء بلطف، مشيرة إلى السلّم الآخر في الخلف.

استوضحت منها عن السبب، ردّت بأنّ الركّاب على درجات ورتب.

ناجيت نفسي متعجّباً. حتّى بالجو يجد التمييز لنا سبباً.

رضخت لقضاء الله وأوامر المضيفة. التي تابعتني بابتسامة لطيفة.

وفي أولى درجات السلّم رجعت لنفسي، التي ساحت بين غدي وأمسي.

في رحلة الألف ميل إلى المجهول، هارباً من دروس القواعد في الفاعل والمفعول.

صعدت السلّم بخطى وطيدة، وصارت أحلامي بين جنباتي وئيدة.

ارتميت على المقعد الذي أرشدتني إليه المضيفة الشقراء.

واستسلمت لدموعي المكبوتة، مذ وصلنا إلى مطار عاصمتنا الغراء.

وهنا تذكّرت وجه أبي الحزين، لسفر ولده الوحيد بعد حين.

دون أن أنسى دموع أمّي الحائرة، والتي لولا وجودي على متنها للعنت هذه الطائرة.

وصغيرة البيت سميرة، التي كان لها من العمر عشر سنوات،

والتي كثيراً ما أفرغت سندويشاتي من أطايب المحتويات.

ورويدا الوسطى بين أخواتي، وكان لها اثنتا عشرة من السنوات.

أمّا سلوى، أختي الكبرى ما أجملها، كانت تصغرني بثلاث سنين الله يرحمها.

مات أهلي جميعاً أثناء غربتي، بينهم الوالد وسميرة ورويدا دُفنوا في قريتي.

في المطار تعرّف والدي إلى أحد المسافرين، حيث أوصاه بي وكان من آل مروه الميامين.

أقلعت الطائرة وتوقفت في المحطّة الأولى في الخرطوم، ظننت أنّنا وصلنا إلى حيث أروم.

ثمّ توقّفت في مدينة كانو في نيجيريا في الشمال، وكلّ راكب ينسج بمخيّلته الآمال.

في اللاغوس عاصمة نيجيريا توقّفنا للمرّة الثالثة. وطائرتنا بعناية الله في الجو حارثة.

رابعاً كانت المحطّة في أكرا عاصمة غانا، نزلت في بيت فخري الذين لم ينسوا كرم قرانا.

في انتظار وصول المرحوم علي فواز من أبيدجان، الذي سيرافقني برّاً دون طيران.

وصلت أبيدجان صباح السادس من شباط.

كنّا نحتفل بذكرى الوحدة، قبل انفصالها وإصابتنا بإحباط.

مهاجر بن عصام

 


العدد 38

العدد االجديد 38

لدينا نشرة