وديع الصافي: وطني لم يعطني
بقدر ما أعطيته
أقول للمغتربين «ما تنسوا وطنكن».. إنّه شرفكم
هناك... في منزله المفعم بروائح البخور.. المزدحم بالأوسمة والنياشين والجوائز والتي تجاور صور القدّيسين والأنبياء وشموع الصلوات.. كان اللقاء مع الكبير وديع الصافي.. كبيرٌ من بلادي هو.. كبيرٌ ومقيم أبداً في ذاكرة كلّ غائب عن الوطن، بصوته.. وأغنياته.. وترانيمه عن الوطن والعائلة والحبّ.. يعبر كما تعبر نسمة من حنين ذاكرة مسافر مشتاق.. ترسم له طريقاً للنحل إلى بيتٍ من لبنان «بسطيحة» و«قرميد» و«موقدة» و«طاحونة مي» و«سلّة حكايات»... صوته كان جسراً من حنين لملاعب الصبا.. لمقاعد الدراسة.. للحبّ الأوّل.. للوطن لبنان..
مع وديع الصافي، أبي الأغنية اللبنانيّة، كان هذا اللقاء:
غنّيت الكثير من الأغنيات التي ناشدت، حيناً، أبناء الوطن المهاجرين بالعودة «يا مهاجرين ارجعوا».. وحيناً أبناء الوطن المقيمين بعدم الهجرة «لوين يا مروان» وكأنّ الغربة كانت هاجسك دائماً؟!
- نعم، لأنّ الغربة حرقة، وليس بالضرورة أنّ من غادر وطنه لا يحبّه، على العكس، الوطن للجميع ولكن أحياناً يصبح المواطن غريباً في وطنه إذا لم تكن العدالة موجودة.
لوديع الصافي علاقة خاصّة بالمغتربين.. كنت بالنسبة إليهم جسراً إلى الوطن من حنين وأغنيات.. أيّة علاقة ربطتك بالإغتراب؟
- لقد كنت مغترباً مثلهم.. عرفتُ الغربة جيّداً وذقت طعمها المرّ تماماً، كما عرفت قيمة الوطن وصعوبة الإبتعاد عنه.. أنا عاطفيّ جدّاً، اضطررت للسفر كثيراً وفي كلّ مرّة لسبب آخر.. مرّة بسبب العمل وسعياً وراء فرصة للغناء، ومرّة هرباً من الحرب ومرّة «طفّشونا»! ومرّة سعياً وراء الرزق ومرّة للتواصل مع أبناء هذا الوطن المنتشرين في كلّ العالم.
متى سافرت لأوّل مرّة وذقت طعم الغربة المرّ كما وصفته؟
- أوّل مرّة تركت فيها لبنان كنت في الرّابعة والعشرين من عمري، كنت يومها شابّاً طموحاً يريد الغناء.. ذهبت إلى مصر للعمل في فيلم ليوسف وهبي مع نور الهدى، إلاّ أنّ هذا المشروع لم يكتمل بسبب خلاف هذين الأخيرين.. فبقيت سنة في مصر «أباطح» دون فائدة، حتّى نصحني نجيب الريحاني الذي إلتقيته بالصدفة في أحد مقاهي القاهرة قائلاً لي: «إرجع لبلدك»، وهو ما حصل بالفعل حيث عدت وسافرت بعدها إلى البرازيل، فكانت أوّل رحلة عمل حقيقيّة بالنّسبة لي.. كنّا مجموعة كبيرة.. مغنّين.. ومغنّيات.. وعازفين، ذهبنا لكي نغنّي للجالية اللبنانيّة هناك التي كانت في أوج نشاطها وتواجدها.. وكان يغمرهم الشوق للوطن، فضربنا على وترهم الحسّاس. أذكر أنّنا كنّا ثمانية أشخاص، ذهبنا في سفينة شحن واستقرّينا في باريس أوّلاً بعدها إلى البرازيل، حيث بقيت هناك مدّة 4 سنوات متتالية، وامتلكت شقّة في ساو باولو وغنّيت للجاليات اللبنانيّة في كلّ المدن والقرى في البرازيل.. لم تكن أحوال الوطن جيّدة، فكنت أرسل المال لأهلي لكي يبنوا بيتاً. خلال تلك السنوات الأربع زرت كلّ البرازيل كما زرت أميركا الشماليّة.



