الجنسيّة اللبنانيّة...
اللامساواة بين الرجل والمرأة
إعداد:
المحامي عبد الكريم حجازي
لا يختلف اثنان في لبنان على أنّ قانون الجنسيّة اللبناني المعمول به منذ عهد الإنتداب الفرنسي بحاجة إلى تعديلات جوهريّة عديدة.. ربّما من أهمّها تلك التي تجعله يساوي بين المرأة والرجل، وبالتالي التوافق مع الدستور الذي نصّ في مادّته السابعة على المساواة بينهما، والذي تبنّى أيضاً وفي مقدّمته «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» و»العهد الدولي الخاص بحقوق المرأة والطفل» و»العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسيّة والمدنيّة» وجميع هذه المواثيق التي تتبنّى المساواة بين جناحي البشريّة.
وعليه، فإنّ اعتماد المشترع اللبناني على رابطتي الدم والأرض لاكتساب الجنسيّة اللبنانيّة بحكم القانون، وعلى أسباب أخرى كالإقامة سحابة خمس سنوات غير منقطعة في لبنان وتأدية خدمات ذات شأن له ليس كافياً، لأنّ هناك حالات أخرى عديدة أغفلها المشرِّع ويجب حسمها وتعديل القانون بشأنه ولاسيّما تلك المتعلّقة بالمرأة اللبنانيّة التي تتزوّج من أجنبي.
«المغترب» إلتقت المحامي الأستاذ ماجد فيّاض عضو مجلس نقابة المحامين سابقاً والناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان واستوضحته بهذا الشأن فقال:
إنّ قانون الجنسيّة اللبناني لم يساوِ بين الرجل والمرأة لأنّه منح الرجل حقّاً كاملاً في إعطاء الجنسيّة لأبنائه ولزوجته أو زوجاته في حين أنّه حرم المرأة اللبنانيّة من إعطاء الجنسيّة لزوجها الأجنبي، والمفارقة يضيف المحامي فيّاض أنّ القانون أباح للمرأة الأجنبيّة التي أصبحت لبنانيّة بفعل الزواج من لبناني أن تمنح الجنسيّة لأجنبي تتزوّجه في حال توفّي زوجها أو طلّقها وقال إنّ هذه اللامساواة تخلُّ إخلالاً فاضحاً بالدستور وبالمواثيق والعهود الدوليّة ذات الصلة والتي تنصّ على المساواة التامّة بين الجنسين.. ولبنان من الدول التي صادقت عليها.
وبالسؤال عن إمكانيّة أن يكون تعديل القانون في هذا الإتّجاه مقدّمة للتوطين؟ يسارع المحامي فيّاض إلى النفي مشيراً إلى ما قامت به حملة «جنسيّتي حقّ لي ولأولادي» لجهة الدراسات الإحصائيّة التي بيّنت بوضوح أنّ عدد اللبنانيّات المتزوّجات من فلسطينيين لا يزيد عن ثلث عدد اللبنانيّات المتزوّجات من أجانب، وتالياً فإنّ ديمغرافيا أي بلد في العالم يمكن أن يتأثّر بنسبة ما بالزيجات الأجنبيّات، ولا شكّ أنّ في لبنان تطرح مسألة التوطين باستمرار ويُخشى من حدوث إقبال كثيف بين لبنانيّات وفلسطينيين، لكن حتّى لو حدث ذلك- يتابع المحامي فيّاض- فإنّ شيئاً لن يتغيّر في واقع الوجود الفلسطيني الديمغرافي، حيث يبقى العديد من الفلسطينيين راغبين بالزواج من فلسطينيّات وليس من غيرهنّ أيّاً كانت جنسيّتهنّ.
وبالسؤال عن الحكم الصّادر عن محكمة البداية في الجديدة برئاسة القاضي جون القزّي بشأن إعطاء إحدى اللبنانيّات المتزوّجة من رجل مصريّ متوفٍّ حقّ تسجيل أولادها على خانتها باعتبارهم لبنانيين، يصف المحامي فيّاض هذا القرار بالجريء من حيث محاولته المواءمة بين ما كرّسه الدستور والمواثيق والإتّفاقيّات الدوليّة وبين ما ورد في قانون الجنسيّة اللبناني، إذ إستند في حقيقة الأمر وجوهره إلى نصّ المادّة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنيّة التي نصّت على وجوب مراعاة مبدأ تسلسل القواعد من قبل المحاكم اللبنانيّة، وعلى أنّه عند وجود تعارض بين نصّ المعاهدات الدوليّة وأحكام القانون الدولي يُقدّم في مجال التطبيق الأولى على الثانية، ومن هنا انتهى الحكم إلى أنّ ما ورد في الدستور وهو القانون الأسمى لجهة المساواة بين المرأة والرجل، ناهيك عمّا كرّسته المواثيق الدوليّة المشار إليها تسمح بتكييف قانون أصول المحاكمات المدنيّة التي توجب إقامة تجانس بين النصوص المتعارضة، بحيث يمكن إعمالها حيث أمكن وإهمالها إذا لزم الأمر.. وبذلك انتهى الحكم بعد المقارنة بين أحكام قانون الجنسيّة اللبناني والدستور والمواثيق الدوليّة إلى أنّ مبدأ المساواة هو الذي يجب أن يرجَّح باعتباره مبدأً دستوريّاً، وتالياً يكرّس للمرأة اللبنانيّة حقّها في منح جنسيّتها لأولادها كما يجوز ذلك للرجل.
وبالمقابل، يأخذ المحامي ماجد فيّاض على الحكم وعلى الرغم من جرأته وإنسانيّته وطرحه حلاً جريئاً لموضوع الجنسيّة أنّه أعمل مبدأ الرقابة الدستوريّة غير المباشرة سنداً للمادّة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنيّة، وتجاوز عمّا ورد في قانون إنشاء المجلس الدستوري ذي الرقم 250/93 ولا سيّما المادّة الثامنة عشرة منه والتي نصّت بوضوح وخلافاً لأي نصّ مغاير على أنّه لا يجوز للمحاكم ممارسة الرقابة الدستوريّة المباشرة على القوانين أو غير المباشرة عن طريق الدفع بمخالفة القانون للدستور أو بمخالفة مبدأ تسلسل القواعد.
ويوضّح فيّاض أنّه وبما أنّ قانون إنشاء المجلس الدستوري جاء تاريخيّاً عقب قانون أصول المحاكمات المدنيّة الصّادر في العام 1983.
ورأى أنّ الحكم الصّادر عن محكمة البداية في الجديدة لن يأخذ طريقه إلى التنفيذ لأنّه سيُفسَخ من قبل محكمة الإستئناف، وأشار إلى أنّ الموضوع لا يحتاج إلى تعديل دستوري لأنّه لا رابط على الإطلاق بين تعديل قانون الجنسيّة والتوطين.
... ويبقى أنّ قانون الجنسيّة ينصّ في إحدى موادّه على أنّ من وُلد على الأرض اللبنانيّة من أبوين لا يحملان جنسيّة معيّنة أو غير معروف الأبوين يُعطى الجنسيّة اللبنانيّة حكماً وبحكم القانون، إلاّ أنّ وزارة الداخليّة اتّخذت تدبيراً إداريّاً مخالفاً للقانون وأعطت الشخص المعنيّ بهذه المادّة جنسيّة «قيد الدرس» ولا ينتهي الدرس...!!!



