...الغربة وأخواتها
بقلم: عصام عميرات
بعد سبعة وعشرين عاماً من الغربة... عدت إلى بلدي... إلى مسقط الرأس وملاعب الصبا وذكريات الطفولة، إلى لبنان الذي لم يكن يوماً إلا في البال.. إلى بيروت صبيّة المدن المشاغبة، وموطن الصخب والحياة، إلى التي غفت أحلامنا بين أحيائها وأزقتها ذات يوم، وتناثرت فوق بحرها وأفقها اللامتناهي، إلى التي تغيّرت ولم تتغيّر، تعبنا ولم تتعب، تُمسك بيدٍ كتلة نار وباليد الأخرى كمشة نور، جارة الحروب ومهد الكتب وصديقة الغياب المستحيل.
إلى التي هاجرتُ منها ذات يوم مع من هاجروا، إلى العالم الذي اتسع لنا ولأحلامنا، لكنه ضاق بشوقنا وحنيننا وكلما كانت تمرُّ سنة، كان العالم يزداد ضيقاً ويتسع معه الشوق والحنين. نجحنا، تألقنا، حلّقنا، لكن بقي شيىء ما في مكانٍ ما يشدّنا لكي نعود. شيىٌء لم نعرف له تفسير.. شيءٌ إسمه لبنان وفي القلب منه بيروت.
لا أقول هذا مجاملة أو مزايدة بل إيماناً وقناعة بهذا البلد، وهو ناتج عن شعور وإحساس صغير ومتواضع ويقيني أن ملايين اللبنانيين المنتشرين حول العالم يشاركونني هذا الشعور والإحساس وهو شعور الحب تجاه هذا الوطن الصغير، وأقول أننا جلنا العالم كله فلم نجد أطيب من لبنان، رغم كل هذا الصخب ورغم كل هذا الضجيج ورغم كل هذا الغبار الذي يحجب جمال هذا الوطن ويحجب معه آمالنا وأحلامنا وتطلعاتنا بالعودة إليه، فالتمسك بحب لبنان والإيمان به ليس جريمة، بل هو خيار ثابت يتمسك به معظم المغتربين اللبنانيين المنتشرين في كل أقاصي الأرض، لكنهم ينتظرون بفارغ الصبر إستقرار الأوضاع لكي يعودوا.



