
لم يعد يتسع المقام للمزيد من الرثاء ولن تعيد الكلمات عزيزاً غيّبه الموت في حادث مأساوي وهو في عز العطاء والنجاح سعياً وراء تأمين لقمة عيش وجرياً وراء فرصة عمل. الكارثة ضخمة بحجم الوطن والمأساة كبيرة بحجم شعب هاجر بنوه إلى ما وراء البحار بعدما أقفلت بوجههم أبواب الرزق وكثرت ببلادهم الحروب والمشاكل. إنها نكسة حقيقية أصيب بها لبنان وإغترابه بالصميم، إنها مشكلة كبيرة تطرح نفسها بقوة بعد الذي حصل، مشكلة وطن مصاب بلعنة أبدية إسمها الهجرة،
وطن لا يتسع لأبنائه فيقذف بهم باستمرار خلف أسواره المسيّجة بالشوك المليئة بالمخاطر، وطن ما أن يفتح أبناؤه أعينهم على الحياة حتى يبدأون بتحضير حقيبة السفر، تسافر عيونهم فوراً خلف الطائرات وخلف السفن وتحلم بصنع مستقبلها في البلاد البعيدة. وتسافر معهم عيون الأمهات وقلوبهم قلقاً وخوفاً. إنه تقليد وطقس أصاب اللبنانيين وأصبح جزءاً من حياتهم. وطن ليس لديه أي شيء سوى مشاريع هجرة يُصدّر بها أبناءه إلى الخارج. وطن إعتاد الهجرة واعتادته.
هل يُعقل أن تسعين في المئة من الشباب فور تخرّجهم من الجامعات يهاجرون، وهل يعقل أن يتحول لبنان بلداً مواده الأوليه وصناعته وتجارته قائمة على تصدير أبنائه إلى الخارج، هل يُعقل أن يكون بلد بحجم لبنان فيه هذا الكمّ الهائل من المغتربين، وهل يعقل أنه لا توجد عائلة في لبنان إلا وأحد أفرادها أو أكثر مغترب في ديار الله الواسعة، وهل يعقل أن يكون جزءاً أساسياً من إقتصادنا الوطني قائم على تحويلات المغتربين نتغنى به ونتباهى بإنجازاتهم.
وأليس من العدل والإنصاف أن تنصف الأوطان بنيها فتكرّمهم وتلتفت إليهم وتشملهم برعايتها إن كانوا داخل أوطانهم أم في مغترباتهم، وأليس من الأفضل أن نقيم معهم أفضل العلاقات ونمنحهم كامل حقوقهم ونوطّد إرتباطهم بالوطن ونجذب إستثماراتهم بدل أن ننقسم بشأنهم وبشأن مطالبهم. وأليس من الأفضل أن نعاملهم كمواطنين أينما حلوا في بلدان العالم بدل أن نفرّقهم ونصنّفهم طوائف ومذاهب.
وألم يحن الوقت بعد لأن يتصالح أبناء الوطن مع بعضهم ومع أنفسهم، كي يوقفوا هذا النزف الحاصل في جسم الوطن جرّاء هجرة خيرة أبنائه وخسارة طاقاتهم.
المأساة الكبيرة التي حلّت بالوطن فاجعة أصابت الجميع بالصميم، إنها صفّارة إنذار تدوّي بقوة تدعونا إلى وقف طائرات الموت المتنقلة بين كوتونو والأوزاعي من نقل أحبتنا إلى بحر الغربة، تدعونا إلى أن نؤمن لهم برّ الأمان عند شاطىء الوطن.
بقلم: عصام عميرات
رئيس مجلس الإدارة - المدير العام