
سليمان تقي الدين
كان لبنان أمس على موعد مع كارثة إنسانية أيقظت كل الأوجاع المتمادية لهذا الوطن المعذب المنتشر والمقيم. لم تتحطم طائرة وحسب وهي تحمل عشرات من بني البشر، الشباب والنساء والأطفال، بل كأنها اللعنة التي تطارد زهرة الشباب وخاصة الجنوبي الباحث عن مغامرة العيش على مقعد واحد مع فقراء أثيوبيا ولو في اتجاه معاكس، الذين يشاركوننا العيش في هذا البلد الذي ما عاد يعرف كيف يطير بجناحيه. انكسرت أجنحة الطائرة الأثيوبية على شاطئ لبنان مثلما تنكسر أحلام الشباب عندنا بالتغير والتجديد والإصلاح.
كانت لأيام عيوننا وقلوبنا وعقولنا مشدودة إلى كارثة هايتي الطبيعية فنحن شعب لديه في كل مكان من العالم صداقة وتعاون وحضور.
هو الموت نفسه، كل نفس ذائقته لكنه صعب دائماً عندنا لأننا ننام في جفن الردى بين عدوان إسرائيلي وآخر، وبين حرب أهلية وأخرى وبين مغامرة للعيش ومغامرة من أجل الكرامة.
اللبنانيون ونعجز عن جمع أشلائهم ودفنهم كما يليق بهؤلاء الرواد الذين افتتحوا كل بوابات العالم وكنوزه ومغاوره ولم يستطيعوا أن يقفلوا مغارة السلطة العاجزة الفاشلة المقصّرة والمبذرة.قد نعرف وقد لا نعرف أسماء هذه القافلة الشهيدة التي غرقت في العاصفة التي كهربت لبنان من أقصاه إلى أقصاه، لكننا نعرفهم بالتأكيد بانتمائهم إلى حكاية كل بيت لبناني نصفه مقيم ونصفه مغترب، جناح له هنا وجناح له هناك، وقلب له على الأرض وقلب معلّق في الفضاء على جناحي طائرة.المشهد اللبناني أمس استثنائي لأنه يختصر قصة لبنان، معاناة شعب طموح يكد ويجهد ويفتح الآفاق الواسعة فإذا هو في وطنه أسير نظام فاشل وسلطة فاسدة وطبقة سياسية مستهترة. شعب تحرّر من إمبراطوريات وانتدابات واحتلالات يقاوم وينتصر، يكافح ضد كل أشكال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحرمان، يشهر سيفه على الفقر وعلى سياسات التمييز الاجتماعي والطائفي، يلقي نفسه في مجاهل الأرض، وحين يطأ أرض لبنان يصبح ضعيفاً أمام قيود مصطنعة طائفية ومذهبية ومناطقية وسياسية.أمس أقفلت المدينة حداداً على الأرواح الطاهرة، أقفلت الحكومة أبوابها وأقفل المجلس، كان الأجدى أن تنفتح تلك المجالس والأبواب وأن تفتح الملفات لتدارك الأزمات، لمعالجة التقصير، لاتخاذ قرارات بحجم معاناة اللبنانيين.أوقفوا السجال في حقوق المغتربين قبل أن توقفوا حالات الاغتراب البعيد الذي وقع أمس لشهداء البحث عن اللقمة والكرامة خارج الوطن.











