تعتبر هاييتي الأقل تنميّة في نصف الكرة الغربي، إذ هناك 55 من سكانها أميّون، وأغلبهم يعمل في الزراعة ولا ينتجون من المحاصيل إلا ما يكفي سد حاجاتهم الغذائيّة وبالرغم من كل ذلك فاللبناني وصل إليها عام 1880 وتحديداً مدينتها "بورت أو برنس" التي كانت أكبر مركزاً تجارياً للفرنسين والالمانيين والإيطاليين...
وبما أنَّه لم يكٌن يملك رأسمالاً كبيراً فيعمل كبائعاً متجولاً إذ كان يضع صندوق خشبي على كتفيه يحتوي على العديد من الحاجات يخرج لبيعها في الاسواق.
فيفيان بولس
فيفيان بولس التي عادت إلى لبنان عام 2005 مع المخرج " ماريو دي لاتور" بعد سنوات عدة من الغُربة من أجل إعداد فيلم وثائقي يروي قُصّة المشرقييّن العرب الذين هاجروا إلى الجزر الكاريبيّة وبالأخص هاييتي، رَوَت لنا أيضاً قصّة أجدادها. تقول فيفيان الهايتيّة وهي من أبِ لبناني وأم فلسطينيّة، أنًّ جدًّها "جون حنا بولس" الذي ولد في إسكندرون هاجر إلى الولايات المُتحدة الأميركية في القرن التاسع عشر ومن ثم إنتقل إلى هايتي الذي سرعان ما وقع في غرام سيِّدة تُدعى "نهجة طرابيان" فتزوجها وأكمل حياته في هاييتي حيث إستثمر أمواله وأصبح من أكبر رجال الأعمال هناك. توفيَّ جون حنا بولس في العام 1935 تاركاً ورائه زوجته وتسعة أطفال ( إميل، إدوار، ليلى، فيكتور والد فيفيان، جون، جورج، رامز، هيلين والفرد). تتابع فيفيان وتقول: " أن جدًّتها قررت العودة الى الديار، وهي في طريقها، حطَّت الطائرة في الولايات المتحدة حيث كان بإنتظارها صديق مقرَّب من العائلة يُدعى "جون سعادة" الذي أقنعها وساعدها على شراء بناية لتبقى في الولايات المتحدة من أجِل تأمين مستقبل أفضل لها ولعائلتها. وتضيف فيفيان قائلةً: كأنَّ التاريخ يعيد نفسه، إذ أنّ والدي فيكتور عاد إلى هاييتي ليستثمر أمواله هناك بعد أن تزوَّج من "فيكتوريا شاميّة" وهي فلسطينية الأصل، في الولايات المتحدة الأميركية. وعن تلك الجزيرة التي يتمتّع أهلها بالطيبة تقول فيفيان: أنَّها كانت من أبرز المُدن السياحيّة خاصة أنّها تقع على البحر الكاريبي لكنًّها تُعاني من فقر مُدقع بسبب حالات العنف والتوتر والإضطراب السياسي التي شهدتها في الأعوام الأخيرة خاصة عام 2004.
نجاحات وبصمات لبنانيّة
من جهته يقول المؤرخ ميشال سكر: بأن اللبنانيين كانوا يعتقدون أنفسهم أنًّهم في البرازيل ذلك لأنهم كانوا يلفظون الحرف "ب" على الطريقة العربيّة بدل من أن يلفظوها بالطريقة الفرنسية الصحيحة، ويتابع حديثه قائلاً: أنَّ التجارة تجري في عروق اللبناني ودمه، إذ إستطاع أن يجني أموال طائلة بعد أن أتقن اللغة الكريوليّة بطلاقة أولاً، ومن خلال معاملته المخلصة والمميزة مع الزبائن وإدخاله نظام التقسيط ثانياً، الأمر الذي لم ينجح فيه أي تاجر آخر، ومن أبرز الطرائف التي تُحكى عن اللبنانين هناك، أنه كانوا يطلقون عليهم إسم "آكلين الافاعي". يُنهي المؤرِّخ ميشال سكَّر كلامه قائلاً: أنَّ مُعظم اللبنانيين في هاييتي إستطاعوا أن ينجحوا ليس فقط في التجارة وبيع الأقمشة، بل أحتلّوا مراتب عاليّة جداً في القطاعات كافة، من صناعيّة ومصرفيّة وهندسيّة وطبيّة، كما أنَّ بعضهم دخل عالم السياسة وتبوأ مراكزاً عاليّة كالطبيب "كارلوس بولس" الذي كان وزيراً للصحة العامة، والسيد جان ديب رئيس بلدية "بورت أو برنس" سابقاً.
شهادات أخرى
ويقول الكاتب الهاييتي المولود من أب فرنسي Paulette Pojol Oriol"" الذي ترعرع في منطقة "Bord De Mer" أنَّه يذكر جيداً العائلات اللبنانية التي كانت تقطن هناك، وأنَّ الثروة التي حققوها في عالم التجارة أتت بعد نضال كبير مع التعب والكد والعمل المتواصل و بأنَّها من عرق الجبين.
أما السيّد جورج ساعاتي: فيعلق قائلاً أنَّ الضغوطات التي مورست بحق اللبنانيين في هاييتي دفعتهم للجوء الى مناطق أخرى كمدينة Province الذين سرعان ما إتخذوا عدداً من الفتيات السود زوجات لهم، ما ولّد جيل جديد مختلط من الخلاسيين، ماعزز موقف اللبناني هناك.
هاييتي أو هسبانيولا قديماً، إحدى الجزر الواقعة بين كوبا وبورتوريكو، نالت إستقلالها في العام 1804 بعدما وصل إليها كريستوفر كولومبوس عام 1492 حيث أسس قاعدة إسبانيّة، بعد ذلك نزل الفرنسيّون إلى هاييتي وجعلوا منها أغنى مستعمرة في البحر الكاريبي. تحتل هاييتي مساحة 28000 كلم مربع، أي ما يقارب ثلاث مرات مساحة لبنان، ويقطنها 8 مليون نسمة وغالبيتهم من الأفارقة السود الذين قطنوا في السهول الساحلية حيث توجد تُربة أكثر خصباً وإنتاجاً. يتكلَّم الهايتيين لُغة الكريول الهايتيّة أمّا اللغة الرسميّة للبلاد فهي الفرنسيّة.
معلومات هايتيّة: